الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

204

نفحات القرآن

ومثل هذا الشيء - بالتأكيد - يكون أعلى من الخيال والقياس والظنّ والوهم ، وليس بمقدورنا تصوّر ذاته ، لأنّ الأشياء الممكن تصوّرها هي التي لاحظنا أمثالها أو تحصّلت بعد التركّب والتجزئة ، أمّا الشيء الذي ليس له أي مثيل فلا يتناوله الوهم والعقل أبداً ، ومعرفتنا تكون بمقدار أنّه موجود ونرى أفعاله وآثاره في عالم الوجود الواسع ، ومن هذه الأوصاف ندرك صفاته إجمالياً ، ولكن ليس بمقدور حتّى الأنبياء المرسلين والملائكة المقرّبين أن يدركوا حقيقة ذاته . والإقرار بهذه الحقيقة هو آخر مرحلة في سلّم معرفة الإنسان لله عزّوجلّ والحديث المعروف : « ما عرفناك حقّ معرفتك » « 1 » المروي عن النبي صلى الله عليه وآله بيان لذروة العرفان البشري باللَّه عزّوجلّ . والدليل على ذلك واضح لأنّه كما ذكر في بحث أدلّة التوحيد هو وجود لا متناهٍ ولا نهاية له من كلّ جهة ، وكلّ ما سواه محدود ومتناهٍ من كلّ جهة ، ولذا لا يمكن قياسه إلى غيره ، وبما أنّ وجودنا وعقولنا وأفكارنا محدودة فإنّا لا نصل إلى كُنه تلك الحقيقة اللا محدودة أبداً . استناداً إلى هذا التفسير فإنّ ( الكاف ) في ( ليس كمثله شيء ) تكون زائدة وللتأكيد « 2 » ، أي لا يوجد شيء شبيه له أبداً ، نعم يمكن أن يفيض سبحانه من وجوده وعلمه وقدرته في عالم الممكنات ولكن مخلوقاته الممكنة ليست مثله أبداً . ولكن بعض المفسّرين لم يعتبر ( الكاف ) زائدة وقالوا : مفهوم الآية هو ( لا يوجد مثيل للَّه ) أي أنّ ( مثل ) هنا تعني ( الذات ) كما نقول : مثلك لا يسلك هذا الطريق المعوج ، أي لا ينبغي لك أن تفعل هذا . وقال البعض أيضاً : إنّ ( مثل ) هنا بمعنى الصفات ، أي لا يوجد موجود يتّصف بأوصاف اللَّه .

--> ( 1 ) بحار الأنوار ، ج 3 ، ص 14 . ( 2 ) جاء في تفسير روح المعاني : إنّ بعض المفسّرين اعتبر ( مثل ) زائدة ولكن أشكل عليه أبو حيّان وقال : الاسم لا يكون زائداً في اللغة العربية أبداً .